رؤى

“هناك بيئة خصبة للمستثمرين من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي بدأت بإيجاد نماذج أعمال ثورية يدفعها وجود 175 مليون مستخدم للانترنت ممن يرغبون بالدفع مقابل الراحة والمتعة المتزايدة التي يوفرها الانترنت في حياتهم.”
خلدون طبازه

المؤسس والعضو المنتدب لمجموعة آي مينا

حالة الانترنت في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 2015: نمو متسارع (ولكن لا بد من الحذر من المطبات)

يعتبر الوقت الحالي وقتا مثيرا بالنسبة لقطاع الانترنت في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ ففي الوقت الذي بدأت فيه هواجس القلق تسيطر على المستثمرين في الصناعات التقليدية، نتيجة لتدني أسعار النفط، والتباطؤ المتوقع في قطاع العقارات والإنشاءات، إلى جانب تراجع هامش أرباح قطاع الاتصالات والبنوك، فإن الأعمال الالكترونية تشهد نموا وتصاعدا وذلك بفضل الطلب الكبير عليها وتبنيها للخدمات التفاعلية، بالإضافة إلى تحول أفراد الجيل الذي واكب ظهور وتطور “الانترنت” ليصبحوا هم أصحاب القرار وأصحاب القوة الشرائية.

وشهد مزودو خدمات الاتصالات عبر الانترنت في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نموا متواصلا على مدى 15 عاما، مما وفر أسرع وأرخص خدمات انترنت للمستخدمين الذي يتحولون من استخدام الكمبيوتر العادي للولوج إلى الانترنت إلى استخدام الهواتف الذكية للقيام بذلك. وقد خلق هذا الأمر بيئة خصبة للمستثمرين من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي بدأت بإيجاد نماذج أعمال ثورية يدفعها وجود 175 مليون مستخدم للانترنت ممن يرغبون بالدفع مقابل الراحة والمتعة المتزايدة التي يوفرها الانترنت في حياتهم.

لقد حصلت الثورة بالفعل في أكبر الصناعات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ ويشمل هذا الأمر صناعة وسائل الإعلام، حيث تجاوز استهلاك المحتوى على الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر المحتوى الذي يتم استهلاكه عبر وسائل الإعلام التقليدية؛ وقطاع الأغذية والمشروبات، حيث انتقل المستخدمون إلى طلب المواد الغذائية وحجز المطاعم عن طريق الانترنت؛ وقطاع النقل والسياحة، حيث أصبح طلب سيارات الأجرة عبر الهاتف المحمول وحجز التذاكر وحجز الفنادق عبر الإنترنت الأداة الرئيسية لتلبية احتياجات المستخدمين؛ بالإضافة إلى صناعة السيارات، التي أصبحت تعتمد بشكل متزايد على خدمات الانترنت لبيع وشراء السيارات المستعملة.

وفي الآونة الأخيرة، قامت موجة جديدة من المستثمرين بخوض غمار الصناعات الجديدة الثورية مثل التعليم والخدمات على المستوى المحلي مثل التنظيف والغسيل والسباكة والتي ستتحول بلا شك لتصبح خدمات الكترونية نظرا لنماذج الأعمال غير الفعالة وغير المجدية القائمة والتي تعتبر مثالية لتتحول وتصبح عبر الانترنت.

وفي مجال تجارة التجزئة، فإن التجارة بالتجزئة المتخصصة  على الانترنت لا تزال مستمرة في نموها السريع. ولكن، ومع تراجع التميز والتفرد في سلسلة القيمة الكاملة لتجارة التجزئة على الانترنت، فقد أصبح هذا القطاع في صناعة الانترنت شبيها بتجارة التجزئة التقليدية أكثر من كونه جزء من الأعمال التجارية الالكترونية. والسبب وراء ذلك أن التكلفة ووقت التسليم عناصر غير الكترونية وغير قابلة للتوسع في نموذج الأعمال، على النقيض من النماذج المذكورة أعلاه والتي تمتلك ميزة الكترونية متأصلة. وبالتالي، فإن نموذج أعمال التجزئة الإلكتروني لديه هوامش ربح ضيقة ومتطلبات رأس مال عالية جدا تعارض مع الخصائص النموذجية لنماذج الأعمال الالكترونية.

ولهذا السبب، فإنه من المتوقع أن يكون الفائزون في تجارة التجزئة الالكترونية (أو من يلبون متطلبات التجارة الالكترونية) هم تجار التجزئة التقليديون الذي سرعان يتحولون إلى تجار تجزئة متعددي القنوات؛ ومقدمو خدمات التمكين لهؤلاء اللاعبين– نظرا للنمو الهائل الذي تشهده خدمات الدفع الالكترونية- ومزودو خدمات الإعلانات على الانترنت ومزودو الخدمات المهنية لتلك الشركات مثل الخدمات الاستراتيجية والتطوير الفني.

أما على صعيد الأسواق، فلا تزال السعودية والإمارات تحتلان “رأس الهرم”؛ وهي أسواق الكترونية لا بد من النجاح فيها لمعظم نماذج الأعمال. وإذا نجحت الأعمال الالكترونية في السعودية، فسيكون لها على الأرجح تأثير قوي ممتد ليس فقط في الأسواق الخليجية الأخرى، ولكن أيضا في أسواق مثل الأردن وبقية بلاد الشام. من جانب آخر، تعتبر مصر الحصان الأسود في الأسواق الإقليمية الالكترونية، بالنظر إلى العدد المتزايد بشكل كبير، على الرغم من الانتشار المتدني. أما بالنسبة للمغرب، فهي منقسمة ما بين الخدمات الالكترونية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والخدمات الالكترونية للدول الناطقة بالفرنسية، وهي لا تزال بانتظار إستراتيجية توسع عملاق للخدمات الالكترونية الخليجية لتحويلها إلى سوق أساسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى جانب السعودية والإمارات ومصر.

ويوما بعد يوم، يبرز المزيد من الفائزين على ساحة الأعمال الالكترونية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، على الرغم من التحديات الكبيرة التي يفرضها الحجم وإمكانية التوسع، مما يعطي بالتالي ميزة لمنصات الأعمال الالكترونية التي تشغل نماذج متنوعة ومتوافقة في الوقت نفسه، والتي يمكنها أنها تستفيد من وفورات الحجم فيما يتعلق بالخدمات المشتركة والمعرفة وتجمعات رأس المال. وخلال 12-18 شهرا المقبلة، سيظهر الفائزون الكبار، وسيتم إنشاء شركات بمليارات الدولارات في صناعة الانترنت بصورة تفوق في سرعتها أي صناعة أخرى في تاريخ الأعمال في منطقة الشرق الأوسط. وهنا، لا بد من الإشارة إلى حقيقة هامة جدا، وهي أن هذه السوق لا تنتظر المتقاعسين.