رؤى

“المؤسسين المتمرسين، الذين تصب جميع العوامل الصحيحة في صالحهم، يحتاجون إلى مستثمرين يستطيعون توفير الضمان فيما يتعلق بمساعدتهم في بناء وتنمية مشاريعهم سريعا.”
خلدون طبازه

المؤسس والعضو المنتدب، مجموعة آي مينا

دروس مستفادة للمؤسسين والمستثمرين في الشركات الالكترونية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا

في خضم الاندفاع نحو تحقيق نجاح جديد في مجال الأعمال الإلكترونية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فإنه من الجيد التوقف قليلا والتمعن في الدروس الرئيسية التي يمكن لمجتمعنا الناشئ الاستفادة منها بناء على نجاحات (وإخفاقات) المؤسسين والمستثمرين في الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة والأسواق الناشئة التي تعتبر أكثر تطورا من أسواقنا مثل أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقية والوسطى.

وفي الوقت الذي تتشابه فيه بعض العوامل الرئيسية على مستوى العالم مثل صفات المؤسسين وإمكانية التوسع والنمو لنموذج الأعمال وطبيعة التحديات التي ينبغي معالجتها، فإن هناك عوامل أخرى تمتاز بخصوصيتها وفقا لطبيعة الأسواق الناشئة. وتشمل هذه العوامل وجود (أو غياب) عوائق لدخول المنافسيين إلى السوق واختيار الدولة التي ستعمل فيها والقدرة على تأمين مصادر تمويل سلسة ومتوقعة لمشروعك.

وفيما يلي العوامل الرئيسية الأكثر أهمية والتي تحدد غالبا نجاح أو فشل المشاريع القائمة على شبكة الانترنت في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا:

المؤسسون: هناك وهم شائع بأن مؤسسي المشاريع الإلكترونية هم عادة خريجو جامعات شباب في العشرين من العمر. ولكن العكس هو الصحيح، حيث تظهر الدراسات أن متوسط عمر المؤسس الناجح هو 40 عاما تقريبا. ولكن في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فإنه من الصعب جدا العثور على مؤسسين في الأربعين من عمرهم؛ لأن من هم في هذا العمر عادة ما يكونون أصحاب عائلات ينفقون عليها ولديهم العديد من القروض الشخصية التي تثقل كاهلهم. وهذا الأمر يضعهم في موقف يجعل من الصعب عليهم تحمل الدورة الطويلة المطلوبة لجمع التمويل من المستثمرين ناهيك عن الفترة الأطول التي يستغرقها إنشاء المشروع.

إمكانية التوسع والنمو: تتسم افضل نماذج الأعمال الإلكترونية في العالم بقدرتها على التوسع والنمو. وافضل مثال على ما سبق هو شركة جوجل Google، حيث قام مؤسسوها ببناء محرك بحث وأعادوا استخدامه بطرق عديدة مما ولّد إيرادات فاقت النفقات المتزايدة لتشغيل المشروع. ومشاريع الاعلانات المبوبة على شبكة الانترنت متشابهة إلى حد كبير حيث تسمح لك باستخدام منصة واحدة للتوسع إلى مئات الآلاف من القوائم وتحقيق الإيرادات الناجمة عن ذلك.

من ناحية أخرى، فإن نموذج أعمال مثل نموذج مواقع التجارة الالكترونية التي تقوم بإدارة كاملة لدورة المبيعات اكانت في مجال الإلكترونيات أو الأزياء أو غيرها يحتاج منك إضافة المزيد من الموارد الغير الإلكترونية للادارة المراحل اللوجستية كلما زادت الوحدات التي تبيعها عبر الإنترنت، مما يؤدي غالبا إلى هامش ربح متدني لا يغطي حجم الاستثمار مقارنة بالعوائد.

عوائق دخول السوق للمنافسيين: يعتبر الإختيار ما بين المشاريع المحلية مقابل المشاريع العالمية قضية شائكة ومعقدة يغفل عنها المؤسسون والمستثمرون بالرغم من أهميتها البالغة. وبالنسبة للمشاريع القائمة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، التي لا يتوفر فيها عوائق لتأخير أو منع المنافسسين من دخول الأسواق تكون غالباً غير قادرة على البقاء أو المنافسة مع الشركات العالمية المشابهة التي تتوسع وتنمو في المنطقة؛ والسبب في هذا هو أن المنافسين العالميين يملكون تمويلا أفضل. فعلى سبيل المثال، يمكن للمواقع الإلكترونية العامة المتخصصة بالسفر والسياحة خداع المؤسسين والمستثمرين على أنها نماذج أعمال محلية مع أنها في واقع الأمر لا تملك أي عوائق لمنع دخول شركات أخرى للسوق وتقف عاجزة أمام المواقع الإلكترونية العالمية. وحتى مواقع التجارة الإلكترونية التي تبيع الإلكترونيات أو الأزياء قد لا تكون قادرة على البقاء في وجه المنافسة العالمية لأن كل ما يحتاجه اللاعب العالمي لمواجهة الميزة التنافسية للشركات المحلية هو افتتاح مركز تلبية طلبات وخدمات لوجستية في الشرق الأوسط.

من ناحية أخرى، فإن نماذج أعمال مثل حجوزات المطاعم أو طلب سيارات الأجرة المحلية يحتاج إلى بناء شبكة محلية، الأمر الذي يشكل عائقا قويا في وجه دخول الأسواق المحلية مما يجعل اللاعبين العالمين بلا حول ولا قوة إلا اذا قاموا باستثمار ضخم من أجل منافسة الشركات المحلية وأخذ مكانها من خلال الاستيلاء على شبكاتها. وفي معظم الحالات تقريبا، يتبين أنه من الأفضل بالنسبة للشركات العالمية، من ناحية التكلفة، أن تستملك الشركات المحلية وبالتالي تحتفظ بالقيمة التي أنشئها المؤسسون والمستثمرون في نماذج الأعمال.

الموقع: يعتبر الموقع عاملا مهما للمشاريع الإلكترونية. فوجود مقر أعمالك الرئيسي في سوق يسهل فيه تشغيل المشروع وجذب المواهب ويتمتع ببيئة تشجع على الاستثمار يعتبر عاملا هاما ورئيسيا. ومن هذا المنطلق، تبرز الإمارات العربية كأفضل موقع للمشاريع الإلكترونية، ولكن ومرة أخرى يتبين أن الأسواق الأكبر هي السعودية ومصر وحتى المغرب، حيث أن تكلفة التوسع والنمو، ناهيك عن الوقت المستغرق في تلك العملية، يشكل عبئا ضخما لا تستطيع المشاريع دائما النهوض به.

التمويل: القدرة على تأمين تمويل مستمر وخلال فترة قصيرة أمر أساسي بالنسبة للمؤسسين الناجحين لأنه يسمح لهم بالتركيز على إدارة مشاريعهم. وهناك احتكاك ما بين المستثمرين والمؤسسين في الشرق الأوسط بسبب مستوى النضج المتدني للأسواق. ولهذا السبب، فإن عدد المشاريع الجيدة غير القادرة على البقاء بسبب عدم قدرتها على تحصييل التمويل يتجاوز عدد المشاريع السيئة التي تخفق بسبب أخطاء مؤسسيها أو نماذج الأعمال أو اختيارات السوق.

وبالنظر إلى جميع العوامل الرئيسية السابقة، يبدو من الواضح أن المؤسسين المتمرسين، الذين تصب جميع العوامل الصحيحة في صالحهم، يحتاجون إلى مستثمرين يستطيعون توفير الضمان فيما يتعلق بمساعدتهم في بناء وتنمية مشاريعهم سريعا، بغض النظر عن الموارد المطلوبة (سواء كانت موارد نقدية أو غير ذلك).

أما من ناحية الاستثمار، فقد يبدو نموذج الاستثمار في رؤوس الأموال في هذه الشركات الناشئة جذابا، وسيكون كذلك، ولكن ليس في هذه المرحلة من مراحل تطور أسواق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وفي واقع الأمر، فإن الاستثمار في رؤوس الأموال لم يكن نموذج الأعمال الأول الذي أتاح للمستثمرين والمؤسسين حصد النجاح في الأسواق الإلكترونية الناشئة. بل على العكس، فقد كان نموذج أعمال منصة التشغيل هو النموذج الأول في هذا المجال.

وهذا النموذج هو ما يسعى فريقنا إلى إقامته في مجموعة آي مينا iMENA Group. فنحن نحاول معالجة جميع أوجه القصور والتحديات التي تعيق نجاح بناء المشاريع الإلكترونية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من خلال توفير مؤسسين متمرسين في بيئة مضمونة إلى حد كبير تمكنهم من بناء مشاريعهم سريعا وتوسيعها وتنميتها سريعا والحصول على التمويل عند الطلب خلال نموهم.

وليس هناك شك في أننا سنقطف ثمار النجاح في نموذج الاستثمار في رؤوس الأموال في منطقتنا أيضا ولكن هذا الأمر سيحدث على الأرجح على مدى 5-7 سنوات. وخلال هذه الفترة فإن العديد من نماذج الأعمال الرئيسية ستكونقد طبقت. ففي مجال المشاريع الإلكترونية، فإن التوقيت هو العامل الأهم.